المقريزي

96

المقفى الكبير

بتلّ راهط خارج دمشق واجتمع بوزيره سعد الدين وبرشيد الدين ، لشغل غازان بشرب الخمر ، وحدّثهما في أمر الناس فقالا : لا بدّ من حمل المال للقان . [ تسلّط غازان على أهل الشام ] فعاد ، وشرع الناس في جباية المال . وأخذ التتر في حصار القلعة ونصبوا عليها المجانيق بالجامع الأمويّ ونزلوا به وجعلوه حانة خمّار يشربون فيه الخمر ويزنون ويلوطون ويقامرون ، ونهبوا ما حوله . فحرق أرجواش ما حول القلعة وهدّمه . فاشتدّ الأمر وغلت الأسعار حتى بلغت غرارة القمح إلى ثلاثمائة درهم [ 88 ب ] وغرارة الشعير إلى ثمانين درهما ، والرطل من الخبز إلى درهمين ، ومنّ اللحم إلى اثني عشر درهما ، ومنّ الزيت إلى ستّة دراهم ، وبلغ البيض كلّ أربع بيضات بدرهم . واشتغل الناس بما فرض عليهم من المال ، ووكّل بكلّ طائفة قوم من المغل فبالغوا في عقوبات الناس بالضرب والعصر ونحوه . وعظم النهب والقتل بالقرى حتى قيل إنّه قتل من الأجناد والفلّاحين نحو مائة ألف إنسان . وحمل إلى غازان من المدينة ثلاثة آلاف ألف وستّمائة ألف درهم فضّة ، سوى السلاح ، والثياب ، والدوابّ ، والغلال ، وسوى ما نهبه التتار . وأخذ الأصيل ابن نصير الطوسيّ منجّم غازان وناظر الأوقات عن معلوم النظر مائتي ألف درهم ، وأخذ الصفيّ السنجاريّ متولّي الاستخراج لنفسه مائة ألف درهم ، وأخذ شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن عليّ الشيبانيّ على جهة البرطيل نحو الثلاثين ألف دينار ، وأخذ لقبجق وأمراء المغل جملة كثيرة جدّا . وحمل لغازان مرتّبه في كلّ يوم وهو بجملة وافرة . [ عملاء غازان على الشام ] فلمّا انتهى ذلك وتقرّر الأمير قبجق في نيابة دمشق ، والأمير بكتمر السلاح‌دار في نيابة حلب وحماة وحمص ، والأمير البكي في نيابة صفد وطرابلس والساحل ، وأقيم مع كلّ منهم جماعة من المغل ، وجعل المقدّم على الجميع قطلوشاه في عشرين ألفا لحماية الشام ، رحل غازان في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى . فنهب التتر مدينة دمشق ولجّوا في حصار القلعة فلم يقدروا منها على شيء ، إلى أن رحل غازان في ثاني عشر جمادى الأولى ، وترك بدمشق الأمير قبجق ، والأمير بكتمر السلاح‌دار ، والأمير فارس الدين البكي ، ومعهم قلطوشاه في عشرين ألفا من التتر ، فما زال قبجق بقلطوشاه حتّى رحل عن دمشق إلى حلب في ثاني عشرينه ، ودبّر قبجق أمر دمشق . وأمّا السلطان ، فإنّه منذ وقعت الكسرة سار ، ومعه الأميران زين الدين قراجا وبكتمر الحساميّ أمير أخور في نفر يسير من خواصّه إلى مصر . فقدم قلعة الجبل يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الآخر . وبالغ الأمير بكتمر في خدمته بنفسه وماله . وقدمت العساكر شيئا بعد شيء إلى القاهرة وهم بأسوإ حال ، فوقع الاهتمام بأمرهم وأخرجت الأموال ففرّقت فيهم . وكثر الصراخ في دور من قتل . [ الاستعداد للوقعة الثانية مع التتار ] واهتمّ الأمراء بالتجهيز للسفر وجمع المال للنفقة على العساكر . وكتب إلى الأعمال القبليّة والبحريّة بطلب الخيول والجمال [ 89 أ ] والسيوف والرماح ، فبلغ ثمن الفرس ثلاثة أمثاله . وانتهت قيمة آلات الحرب ونحوها إلى عشرة أمثالها . ونودي بحضور الأجناد البطّالين فحضر كثير من أرباب الصنائع ، وكتبت أسماؤهم ، وفرّق على